أحمد بن محمد مسكويه الرازي
422
تجارب الأمم
وقال عبد الله بن راشد : ما كان في عسكر أبى جعفر كبير أحد ، ما هم إلَّا سودان وناس يسير . وكان يأمر بالحطب فيحزم ، ثمّ يوقد بالليل فيراه الرائي فيحسب هناك ناسا ، وما هي إلَّا نار تضرم ، وليس عندها أحد . وكتب أبو جعفر إلى عيسى بن موسى وهو بالمدينة : - « إذا قرأت كتابي فأقبل ودع [ 444 ] ما أنت فيه . » فلم ينشب أن قدم ، فوجّهه على الناس ، وكتب إلى سلم بن قتيبة ، فقدم عليه من الرىّ ، فضمّه إلى جعفر بن سليمان . فحكى سلم بن قتيبة قال : لمّا دخلت على أبى جعفر قال لي : - « خرج ابنا عبد الله بن حسن ، فاعمد لإبراهيم ولا يروعنّك جمعه ، فوالله إنّهما لجملا بني هاشم المقتولان جميعا ، فابسط يدك ، وثق بما أعلمتك ، وستذكر مقالتي لك . » قال : فوالله ما هو إلَّا أن قتل إبراهيم ، فجعلت أتذكّر مقالته فأعجب . وكتب المنصور إلى المهدى وهو يومئذ بالرىّ يأمره بتوجيه خازم بن خزيمة إلى الأهواز ، فوجّهه المهدى في أربعة آلاف من الجند ، فصار إليها وحارب بها المغيرة بن الفزر ، فهزم المغيرة وانصرف المغيرة إلى البصرة ودخل خازم الأهواز فأباحها ثلاثا . وحكى السندىّ قال : كنت وصيفا أيّام حرب محمّد ، فكنت أقوم على رأس المنصور بالمدينة ، فرأيته لمّا كثف أمر إبراهيم وغلظ ، أقام على مصلَّى نيّفا وخمسين ليلة ، ينام عليه ، ويجلس عليه ، وعليه جبّة ملوّنة قد اتّسخ جيبها وما تحت لحيته منها ما غيّر الجبّة ولا هجر [ 445 ] المصلَّى حتّى فتح الله عليه ، إلَّا أنّه كان إذا ظهر للناس علىّ الجبّة بالسواد وقعد على فراشه ، فإذا بطن عاد إلى هيئته .